ابن أبي الحديد
28
شرح نهج البلاغة
وما يشعر به حتى أخذه بعد ما تثلم ، وإن المشركين لتحتنا ، وسقط سيف أبي طلحة أيضا ولم يصب أهل الشك والنفاق نعاس يومئذ ، وإنما أصاب النعاس أهل الايمان واليقين ، فكان المنافقون يتكلم كل منهم بما في نفسه ، والمؤمنون ناعسون . * * * قلت : سألت ابن النجار المحدث عن هذا الموضع فقلت له : من قصة أحد تدل على أن المسلمين كانت الدولة لهم بادئ الحال ثم صارت عليهم ، وصاح الشيطان : قتل محمد ، فانهزم أكثرهم ، ثم ثاب أكثر المنهزمين إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فحاربوا دونه حربا كثيرة طالت مدتها حتى صار آخر النهار ، ثم أصعدوا في الجبل معتصمين به ، وأصعد رسول الله صلى الله عليه وآله معهم ، فتحاجز الفريقان حينئذ ، وهذا هو الذي يدل عليه تأمل قصة أحد ، إلا أن بعض الروايات التي ذكرها الواقدي يقتضى غير ذلك ، نحو روايته في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وآله ، لما صاح الشيطان : إن محمدا قد قتل ، كان ينادى المسلمين فلا يعرجون عليه ، وإنما يصعدون في الجبل ، وإنه وجه نحو الجبل ، فانتهى إليهم وهم أوزاع يتذاكرون بقتل من قتل منهم وهذه الرواية تدل على أنه أصعد صلى الله عليه وآله في الجبل من أول الحرب ، حيث صاح الشيطان ، وصياح الشيطان كان حال كون خالد بن الوليد بالجبل من وراء المسلمين لما غشيهم وهم مشتغلون بالنهب واختلط الناس ، فكيف هذا ! فقال : إن الشيطان صاح : قتل محمد دفعتين : دفعة في أول الحرب ، ودفعة في آخر الحرب ، لما تصرم النهار وغشيت الكتائب رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قتل ناصروه وأكلتهم الحرب ، فلم يبق معه إلا نفر يسير لا يبلغون عشرة ، وهذه كانت أصعب وأشد من الأولى ، وفيها اعتصم ، وما اعتصم في صرخة الشيطان الأولى بالجبل ، بل ثبت وحامى عنه أصحابه ، ولقد لقي في الأولى مشقة عظيمة من ابن قميئة وعتبة بن أبي وقاص وغيرهما ،